طائر الفينيكس
أسطُورَة الحَيَاة المثلَى

لعلَّ أصعب ما يلاقيه الفكرُ هو الفصل بين حقيقة الوجود وأوهامه. غير أنَّ أكثر النَّاس لا يفكِّرون، فلا يتردَّدون لحظة في إقامة الحدود بين ما يدعونه حقيقة وما يروقهم أن يدمغوه بدمغة الوهم أو الخرافة. هكذا فالغراب في نظرهم حقيقة. أمَّا الفينكس فخرافة لا يؤمن بها إلاَّ البسطاء والقدماء.
(( ها هي الشمس قد ارتفعت في المشرق. السماء صافية زرقاء، ونسمات الصبح العليلة تتهادى بين الأشجار مدغدغة أوراقها الغضَّة. في الغابة نهر عميق يسير بجلال نحو البحر، حاملاً على صفحته الصافية خيالات الأشجار والأدغال المتعانقة على جانبيه. أنَّى التفتَّ جمالٌ وسلام. حتى لتحسبك في جنَّة من جِنان الفردوس.
غير أنَّ الأشجار تحذِّرك من الانخداع بالظواهر. فهي تعرف أنَّ فيها وعليها وحواليها قد اشتبك الموت والحياة في صراع عنيف. كلُّ ما في الغابة من مخلوقات تمشي، ومخلوقات تدبُّ أو تزحف، ومخلوقات تمتطي الهواء وتهمزه بالأغاريد، يدأب بغير انقطاع طالبًا غذاء لنفسه أو مطلوبًا ليكون غذاء لسواه. ولا مفرَّ من ذلك الدُّردور حتى للصخور. كلُّ ما ينبثق من الأرض تبتلعُه الأرض رويدًا رويدًا، لتعود فتلفظه حيوانات وطيورًا وزحَّافات وحشرات وأشجارًا وأعشابًا وأزهارًا. فالحياة ههنا، شأنها في سائر المسكونة، تشتعل كعليقة موسى من غير أن تحترق.
في رأس أعلى شجرة من الغابة قد جثم طائرٌ لا شبيه له في كلِّ الخليقة. وقد اتَّجه نحو الشمس، فبانت كلُّ ريشة من صدره القرمزي الناعم كما لو كانت تلتهب بنار من عالم آخر. وكلُّ ريشة من جناحيه الذهبيَّين، المغموسة أطرافُهما في زرقة ولا زرقة السماء، كما لو كانت تقدح شرارًا من شرار الثريا. عنقه الطويل الجميل، المطوَّق بطوق ناصع البياض، قد تقوَّس إلى الأمام. أمَّا رأسه الدقيق الصنع فقد ارتدَّ قليلاً إلى الوراء مصوِّبًا منقاره الحادَّ نحو الشمس.
لقد جمع هذا الطائر بين زخرفة الطاووس وجمال طائر الفردوس، دون خُيَلاء الأوَّل وخجل الثاني. وهو ينظر بطمأنينة إلى الشرق كأنَّه لا يشعر بوجود شيء في العالم إلاَّ الشمس – مصدر النور والحياة. ترفرف من حواليه طيور كثيرة ما بين كبيرة وصغيرة، وإذ تمرُّ به تخفض أجنحتها مسلِّمةً عليه سلام إعجاب واحترام. حتى إن القويَّ من الفَراش الذي تمكِّنه أجنحتُه من الوصول إليه يرفرف حواليه مرَّتين أو ثلاثًا، ثم يهبط إلى الأرض شاكرًا جذِلاً.
الغابة تعجُّ بالأصوات من طائر يناجي عشيره أو وحش ينادي رفيقه – إلاَّ هذا الطائر الغريب. فهو لا يناجي أحدًا ولا أحد يناجيه. إذ لا عشير له ولا رفيق، لا في مشارق الأرض ولا في مغاربها، ولا في عالم آخر من العوالم الدائرة في الفضاء. سواه من الطيور منهمك في بناء أعشاش أو تربية فراخ؛ أمَّا هو فلا عشٌّ يبنيه ولا فراخ يزقُّها. سواه يرفرف هنا وهنالك طالبًا قوتًا؛ أمَّا هو فلا يقتات بشيء حيٍّ بل بالبخور والعطور. سواه من الطيور يصيح فَرَقًا وقد علق في مخالب عدوِّه؛ أمَّا هو فلا يعرف الخوف لأنَّه لا يؤذي مخلوقًا فلا يؤذيه مخلوق، لا ولا تؤذيه العناصر. هو وحيد في العالم كلِّه. لكنَّه لا وحدة في قلبه ولا وحشة. سواه من الطيور يبدِّل ريشه مرَّة في كل عام؛ أمَّا هو فلم يبدل ريشة واحدة منذ أن كان له من العمر يوم واحد – وذلك منذ خمسمائة سنة !

لقد نبتتْ في الغابة أشجارٌ كثيرة، فنَمَتْ حتى طالت السحاب، ثمَّ هرمت وتفتَّتت وأخْلَتْ مكانها لأشجار أخرى. ولقد جرفت الفصول المسرعة أجيالاً لا تحصى من الطيور والحشرات والحيوانات، ثمَّ جاءت بغيرها لتحلَّ محلَّها. ووراء حدود الغابة، في مملكة الإنسان، قد طغت موجة بعد موجة من أعمال الناس، ثم تكسَّرت وتبعثرت على شواطئ الزمان الذي لا بداية له ولا نهاية.
أمَمٌ بكاملها أطلَّت على الحياة ثمَّ توارت، فكأنها لم تكن. ومدنٌ عديدة شمخت بأبراجها وقببها إلى السماء فلم تلبث أن عانقت التراب. ممالك عَلَتْ ثمَّ انخفضت. غزاة ومغزوُّون. أبطال وأنذال. عاشقون ومعشوقون. رؤوس متوَّجة ورؤوس بغير تيجان – كلُّ هؤلاء وهذه مشوا فترة على الأرض، ثمَّ عادت الأرض فاحتضنتهم ليمشي فوقهم سواهم من أبناء الأرض. حيث كانت تكرُّ أنهار جبَّارة نبتتْ اليوم أشواك وأحساك وأدغال وبنى النمل قراه والجراذين أجحارها.
كم من جنائن غنَّاء ابتلعتها الصحراء، وكم من صحراء أورقت وأزهرت! كم إله أُنزِل عن عرشه وإله أُجلِس على عرش! كلُّ ما في الكون قد تغيَّر وتحوَّل في غضون خمسة قرون – إلاَّ هذا الطائر الذي في عينَيه – كما في عينَيْ يهوه – "ألف سنة كيوم أمس الذي عبر وكهجعة من الليل".
لعلَّ أصعب ما يلاقيه الفكرُ هو الفصل بين حقيقة الوجود وأوهامه. غير أنَّ أكثر النَّاس لا يفكِّرون، فلا يتردَّدون لحظة في إقامة الحدود بين ما يدعونه حقيقة وما يروقهم أن يدمغوه بدمغة الوهم أو الخرافة. هكذا فالغراب في نظرهم حقيقة. أمَّا الفينكس فخرافة لا يؤمن بها إلاَّ البسطاء والقدماء.
(( ها هي الشمس قد ارتفعت في المشرق. السماء صافية زرقاء، ونسمات الصبح العليلة تتهادى بين الأشجار مدغدغة أوراقها الغضَّة. في الغابة نهر عميق يسير بجلال نحو البحر، حاملاً على صفحته الصافية خيالات الأشجار والأدغال المتعانقة على جانبيه. أنَّى التفتَّ جمالٌ وسلام. حتى لتحسبك في جنَّة من جِنان الفردوس.
غير أنَّ الأشجار تحذِّرك من الانخداع بالظواهر. فهي تعرف أنَّ فيها وعليها وحواليها قد اشتبك الموت والحياة في صراع عنيف. كلُّ ما في الغابة من مخلوقات تمشي، ومخلوقات تدبُّ أو تزحف، ومخلوقات تمتطي الهواء وتهمزه بالأغاريد، يدأب بغير انقطاع طالبًا غذاء لنفسه أو مطلوبًا ليكون غذاء لسواه. ولا مفرَّ من ذلك الدُّردور حتى للصخور. كلُّ ما ينبثق من الأرض تبتلعُه الأرض رويدًا رويدًا، لتعود فتلفظه حيوانات وطيورًا وزحَّافات وحشرات وأشجارًا وأعشابًا وأزهارًا. فالحياة ههنا، شأنها في سائر المسكونة، تشتعل كعليقة موسى من غير أن تحترق.
في رأس أعلى شجرة من الغابة قد جثم طائرٌ لا شبيه له في كلِّ الخليقة. وقد اتَّجه نحو الشمس، فبانت كلُّ ريشة من صدره القرمزي الناعم كما لو كانت تلتهب بنار من عالم آخر. وكلُّ ريشة من جناحيه الذهبيَّين، المغموسة أطرافُهما في زرقة ولا زرقة السماء، كما لو كانت تقدح شرارًا من شرار الثريا. عنقه الطويل الجميل، المطوَّق بطوق ناصع البياض، قد تقوَّس إلى الأمام. أمَّا رأسه الدقيق الصنع فقد ارتدَّ قليلاً إلى الوراء مصوِّبًا منقاره الحادَّ نحو الشمس.
لقد جمع هذا الطائر بين زخرفة الطاووس وجمال طائر الفردوس، دون خُيَلاء الأوَّل وخجل الثاني. وهو ينظر بطمأنينة إلى الشرق كأنَّه لا يشعر بوجود شيء في العالم إلاَّ الشمس – مصدر النور والحياة. ترفرف من حواليه طيور كثيرة ما بين كبيرة وصغيرة، وإذ تمرُّ به تخفض أجنحتها مسلِّمةً عليه سلام إعجاب واحترام. حتى إن القويَّ من الفَراش الذي تمكِّنه أجنحتُه من الوصول إليه يرفرف حواليه مرَّتين أو ثلاثًا، ثم يهبط إلى الأرض شاكرًا جذِلاً.
الغابة تعجُّ بالأصوات من طائر يناجي عشيره أو وحش ينادي رفيقه – إلاَّ هذا الطائر الغريب. فهو لا يناجي أحدًا ولا أحد يناجيه. إذ لا عشير له ولا رفيق، لا في مشارق الأرض ولا في مغاربها، ولا في عالم آخر من العوالم الدائرة في الفضاء. سواه من الطيور منهمك في بناء أعشاش أو تربية فراخ؛ أمَّا هو فلا عشٌّ يبنيه ولا فراخ يزقُّها. سواه يرفرف هنا وهنالك طالبًا قوتًا؛ أمَّا هو فلا يقتات بشيء حيٍّ بل بالبخور والعطور. سواه من الطيور يصيح فَرَقًا وقد علق في مخالب عدوِّه؛ أمَّا هو فلا يعرف الخوف لأنَّه لا يؤذي مخلوقًا فلا يؤذيه مخلوق، لا ولا تؤذيه العناصر. هو وحيد في العالم كلِّه. لكنَّه لا وحدة في قلبه ولا وحشة. سواه من الطيور يبدِّل ريشه مرَّة في كل عام؛ أمَّا هو فلم يبدل ريشة واحدة منذ أن كان له من العمر يوم واحد – وذلك منذ خمسمائة سنة !
لقد نبتتْ في الغابة أشجارٌ كثيرة، فنَمَتْ حتى طالت السحاب، ثمَّ هرمت وتفتَّتت وأخْلَتْ مكانها لأشجار أخرى. ولقد جرفت الفصول المسرعة أجيالاً لا تحصى من الطيور والحشرات والحيوانات، ثمَّ جاءت بغيرها لتحلَّ محلَّها. ووراء حدود الغابة، في مملكة الإنسان، قد طغت موجة بعد موجة من أعمال الناس، ثم تكسَّرت وتبعثرت على شواطئ الزمان الذي لا بداية له ولا نهاية.
أمَمٌ بكاملها أطلَّت على الحياة ثمَّ توارت، فكأنها لم تكن. ومدنٌ عديدة شمخت بأبراجها وقببها إلى السماء فلم تلبث أن عانقت التراب. ممالك عَلَتْ ثمَّ انخفضت. غزاة ومغزوُّون. أبطال وأنذال. عاشقون ومعشوقون. رؤوس متوَّجة ورؤوس بغير تيجان – كلُّ هؤلاء وهذه مشوا فترة على الأرض، ثمَّ عادت الأرض فاحتضنتهم ليمشي فوقهم سواهم من أبناء الأرض. حيث كانت تكرُّ أنهار جبَّارة نبتتْ اليوم أشواك وأحساك وأدغال وبنى النمل قراه والجراذين أجحارها.
كم من جنائن غنَّاء ابتلعتها الصحراء، وكم من صحراء أورقت وأزهرت! كم إله أُنزِل عن عرشه وإله أُجلِس على عرش! كلُّ ما في الكون قد تغيَّر وتحوَّل في غضون خمسة قرون – إلاَّ هذا الطائر الذي في عينَيه – كما في عينَيْ يهوه – "ألف سنة كيوم أمس الذي عبر وكهجعة من الليل".
غير أنَّ الوقت قد أزف حتى للفينكس أن "يتغيَّر". لا صوت يهمس في أذنيه؛ ولا إصبع تدلُّه كيف يتَّجه؛ ولا قوَّة خارجيَّة تأمره أن يفعل ما هو مزمع أن يفعله. لكنَّه بدليل من نفسه، وبصوت من داخله، يدير وجهه نحو الشمال الغربي، وبعد أن يصفِّق بجناحيه ثلاثًا، يمتطي الهواء. ولا حزن في قلبه على أمسية خمسة قرون يتركها وراءه، ولا خوف من أغدية خمسةٍ أخرى يقابلها. وهو يعرف محجَّته كلَّ المعرفة.
في وادي النيل البعيد مدينة كان المصريُّون يدعونها "آنُّو"، والعبرانيون "بيت شمس"، والروم "هليوبوليس". وفي تلك المدينة هيكل مكرَّس لعبادة الإله "رَعْ".
في وادي النيل البعيد مدينة كان المصريُّون يدعونها "آنُّو"، والعبرانيون "بيت شمس"، والروم "هليوبوليس". وفي تلك المدينة هيكل مكرَّس لعبادة الإله "رَعْ".
الفينكس يعرف المدينة والهيكل، ويعرف الفسحة التي سيستقرُّ عليها من المذبح. لأنَّه، منذ أجيال لا تحصى، يقصد إلى جلجثته هذه مرَّة في كل خمسمائة سنة ليتقبَّل عليها الموت. ومرَّة في كل خمسمائة سنة يعود منها تاركًا الموت في حيرة وارتباك.
يشقُّ الفينكس الهواء بجناحيه القويَّين مسرعًا نحو وادي النيل، فتجتمع من حوله شتَّى الطيور لترافقه، ولو بعض المسافة، فتُظهِر له تجلَّتها واحترامها. ولا يزال يطوي المسافات إلى أن تبدو لعينيه هليوبوليس.
في هيكل رَعْ نافذة فوق المذبح تطلُّ منها الشمس فتمتزج أشعتُها بدخان البخور وتضفر منه غدائر من ذهب وفضَّة كأنها أنفاس أرواح تائهة. وهذه الغدائر تلتفُّ وتنحلُّ فوق المذبح كأنَّها خيوط ممدودة على منوال خفيٍّ، وكأنَّ يدًا خفيَّة تحوك منها أنسجة غريبة. وليس في الهيكل الواسع المظلم سوى كاهن عجوز غارق في تأمُّلاته.
يسمع الكاهن بغتة حفيف أجنحة يقطع عليه مجرى تأملاته. وإذ يرفع عينيه يبصر على المذبح طائرًا عجيبًا يغتسل بنور الشمس، وقطُّ لم تقع عيناه على أجمل منه. فتأخذه الدهشة. ولا تلبث دهشته أن تنقلب إلى رهبة، إذ يحدِّق إلى الطائر فيراه قد انتصب رافعًا جناحيه إلى فوق. ثم يراه يصفِّق بهما تصفيقًا حادًّا. وما هي إلاَّ لمحة حتى يلتهب الجناحان فيبدوان كأنهما مروحة من نار. ويندمج الطائر بأشعة الشمس حتى ليشكل على الكاهن أن يفرِّق بينهما. وما هي إلا لمحة أخرى حتى يرتفع الجناحان إلى أعلى، وقد انقطعا عن التصفيق، فتبدو كلُّ ريشة كأنَّها مشعل من نار حيَّة.
يكاد الكاهن لا يصدِّق عينيه من شدَّة دهشته. فحيث رأى منذ لحظة طائرًا حيًّا يرى الآن ألسنة من لهيب تثب إلى فوق. ويا له من لهيب ما سبق له أن أبصر نظيره في كلِّ حياته! هو لهيب يرتدُّ البصر كليلاً عن بهائه، وتسكر الأنفاس بعطره. ألا تبارك رَعْ الأزلي الأبدي، الذي يحيي نفسه بنفسه ويحيي كلَّ شيء!
في هيكل رَعْ نافذة فوق المذبح تطلُّ منها الشمس فتمتزج أشعتُها بدخان البخور وتضفر منه غدائر من ذهب وفضَّة كأنها أنفاس أرواح تائهة. وهذه الغدائر تلتفُّ وتنحلُّ فوق المذبح كأنَّها خيوط ممدودة على منوال خفيٍّ، وكأنَّ يدًا خفيَّة تحوك منها أنسجة غريبة. وليس في الهيكل الواسع المظلم سوى كاهن عجوز غارق في تأمُّلاته.
يسمع الكاهن بغتة حفيف أجنحة يقطع عليه مجرى تأملاته. وإذ يرفع عينيه يبصر على المذبح طائرًا عجيبًا يغتسل بنور الشمس، وقطُّ لم تقع عيناه على أجمل منه. فتأخذه الدهشة. ولا تلبث دهشته أن تنقلب إلى رهبة، إذ يحدِّق إلى الطائر فيراه قد انتصب رافعًا جناحيه إلى فوق. ثم يراه يصفِّق بهما تصفيقًا حادًّا. وما هي إلاَّ لمحة حتى يلتهب الجناحان فيبدوان كأنهما مروحة من نار. ويندمج الطائر بأشعة الشمس حتى ليشكل على الكاهن أن يفرِّق بينهما. وما هي إلا لمحة أخرى حتى يرتفع الجناحان إلى أعلى، وقد انقطعا عن التصفيق، فتبدو كلُّ ريشة كأنَّها مشعل من نار حيَّة.
يكاد الكاهن لا يصدِّق عينيه من شدَّة دهشته. فحيث رأى منذ لحظة طائرًا حيًّا يرى الآن ألسنة من لهيب تثب إلى فوق. ويا له من لهيب ما سبق له أن أبصر نظيره في كلِّ حياته! هو لهيب يرتدُّ البصر كليلاً عن بهائه، وتسكر الأنفاس بعطره. ألا تبارك رَعْ الأزلي الأبدي، الذي يحيي نفسه بنفسه ويحيي كلَّ شيء!
يملأ اللهيب الهيكل بأشباح رائعة، كلُّها يثب إلى فوق ويتلاشى في وثباته. ورويدًا رويدًا تخمد النار تاركة حفنة من الرماد المتوهِّج.
يا للخسارة أن يهلك طائر بديع كهذا الطائر وفي صورة مفجعة كتلك الصورة! ولكن... أحقًّا أنه قد هلك؟
يفرك الكاهن عينيه ليتأكَّد من أنه ليس في منام، فيرى – ويا للعجيبة! – يرى طائرًا يخرج من كومة الرماد المتوهِّج، كاملاً بكلِّ تفاصيله، عجيبًا بجماله، كالطائر الذي التهمته النار منذ لحظة. فكأنَّه هو. بل هو هو. فيهبط الكاهن على ركبتيه، ويغطي عينيه بيديه، ويحني هامته البيضاء حتى تلامس الأرض، ويتمتم كلمات يكاد لا يسمعها:
يا رَعْ. أيُّها الكائن الجميل الذي يجدِّد ذاته في حينه. أيُّها الطفل الإلهي. يا وريث الأبديَّة. يا والد نفسه. يا أمير الأرجاء السفلى ومدير الأحياء العليا. يا إله الحياة. يا ربَّ المجد. كل نسمة تحيا بشعاعك ))
يا للخسارة أن يهلك طائر بديع كهذا الطائر وفي صورة مفجعة كتلك الصورة! ولكن... أحقًّا أنه قد هلك؟
يفرك الكاهن عينيه ليتأكَّد من أنه ليس في منام، فيرى – ويا للعجيبة! – يرى طائرًا يخرج من كومة الرماد المتوهِّج، كاملاً بكلِّ تفاصيله، عجيبًا بجماله، كالطائر الذي التهمته النار منذ لحظة. فكأنَّه هو. بل هو هو. فيهبط الكاهن على ركبتيه، ويغطي عينيه بيديه، ويحني هامته البيضاء حتى تلامس الأرض، ويتمتم كلمات يكاد لا يسمعها:
يا رَعْ. أيُّها الكائن الجميل الذي يجدِّد ذاته في حينه. أيُّها الطفل الإلهي. يا وريث الأبديَّة. يا والد نفسه. يا أمير الأرجاء السفلى ومدير الأحياء العليا. يا إله الحياة. يا ربَّ المجد. كل نسمة تحيا بشعاعك ))
ملاحظة : إن هذه الأسطورة هي جزء من بحث للأديب ميخائيل نعيمة


0 التعليقات:
إرسال تعليق